محمد فاروق النبهان
42
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
معجزة يعجز البشر عن الإتيان بمثلها . . . ما أضيق نظر الحاقدين والحاسدين والموتورين وهم يتجاهلون حقائق لا تملك العقول إلا أن تقرّ بها . لقد كانت ظاهرة الوحي واضحة الدلالة على صدق « محمد » ، ذلك الرجل الأمي الذي عاش في مكة في أجواء بعيدة كل البعد عن معرفة أمر السماء غافلة كل الغفلة عن أمر النبوة ، لا تعرف إلا القليل مما كان يتتبعه حكماء مكة عن تاريخ الأنبياء ، وكل ذلك لا يرقى إلى مستوى المعرفة المستوعبة التي تمد « محمدا » بتاريخ الأمم السابقة وقصص الرسل والأنبياء . ووقف « محمد » أمام الوحي وهو يتنزل عليه لأول مرة خائفا وجلا يترقب ، لا يدري ما ذا يفعل . . أهذا حق ما يراه ، أهو حلم نائم أم طيف عابر . . ووقفت زوجته تشجعه وتشد أزره « واللّه ما يخزيك اللّه أبدا » . ما زال يتذكر ذلك الطيف وهو يخاطبه « اقرأ » فيجيب بخوف : « ما أنا بقارئ » ، فيتكرر الأمر « اقرأ يا محمد » ، ويجيب وكأنه يخشى من ذلك الجواب . . ما أنا بقارئ ، ويأتيه الأمر من جديد « اقرأ باسم ربك الذي خلق » . وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ويزول الطيف . ويبتعد . . ويترك « محمدا » وحيدا والهلع يأخذ منه كل مأخذ . ويرتفع صوت بدأ هامسا ، وأخذ يتردد في كيان « محمد » « واللّه ما يخزيك اللّه أبدا » . ما أجمل ما فعلت هذه الكلمة في نفس « محمد » ، أعادته إلى هدوئه ، شعر بالأمن والدفء ، أحس بفجر يطل من بعيد ، إنه فجر صادق ، والفجر الصادق لا يكذب أهله . وأخذ « محمد » يستعيد أحداث حياته ، طفولة قاسية ، يتم ووحدة ، مواقف صغيرة في حياته ما زال يذكرها ، ولا يعرف تفسيرها . . طيف كان يلاحقه ويرعاه ، لم يكن طيف أشباح وأوهام ، إنما كان طيف رعاية واحتضان ، يؤنسه في وحدته ، يقويه ويغذي فؤاده بالأمل ، ويقوده من حيث لا يدري إلى موطن الفضيلة ، وتفتحت القلوب لذلك الشاب الصادق المستقيم الذي ما عهده قومه إلا أمينا صادقا وفيا وديعا حسن الخلق صافي النفس .